كامب نو هو أكبر ملعب في أوروبا، وفي الوقت نفسه ملعب لا يستطيع اليوم استقبال سوى نحو 62 ألف متفرج.
هذه المفارقة ليست خطأً في الأرقام. السعة المسجلة للملعب قبل إغلاقه كانت 99,354 مقعدًا، والسعة المستهدفة بعد اكتمال التجديد نحو 105 آلاف. أما الرقم المتاح فعليًا الآن فهو 62,652، لأن الملعب يُعاد بناؤه بينما يُلعب فيه.
ملعب في قلب برشلونة
يقع كامب نو في حي لي كورتس غرب برشلونة، ضمن مجمع يضم مرافق النادي الأخرى. افتُتح في 24 سبتمبر 1957، بعد أن بدأت أعمال بنائه في 28 مارس 1954، وبتكلفة أصلية تجاوزت التقديرات الأولية بكثير وأثقلت ميزانية النادي لسنوات.
ومنذ ذلك الحين وهو ضمن أكبر ملاعب العالم. في عقود المدرجات الوقوفية تجاوزت سعته 120 ألفًا، حين كانت نهائيات أوروبية وكلاسيكيات تُقام أمام أعداد لا تسمح بها أي لائحة سلامة حديثة. ثم فرضت قواعد المقاعد الإلزامية تقليصها إلى 99,354، وهو رقم ظل مع ذلك الأكبر في أوروبا.
الاسم نفسه يحمل قصة. "كامب نو" تعني بالكتالانية "الملعب الجديد"، وهي تسمية شعبية أطلقها الجمهور تمييزًا له عن ملعب النادي السابق، ثم صارت الاسم الرسمي لاحقًا. واليوم يحمل اسمًا تجاريًا مركبًا ضمن اتفاق رعاية، لكن أحدًا في برشلونة لا يناديه إلا بـ"كامب نو".
مشروع "إسباي بارسا": ما هو بالضبط
المشروع الذي يخضع له الملعب ليس تجديدًا للمدرجات. هو إعادة بناء شبه كاملة تشمل:
رفع السعة إلى نحو 105 آلاف مقعد
إضافة سقف كامل يغطي المدرجات للمرة الأولى في تاريخ الملعب
إعادة بناء الطبقات الثلاث بالكامل
تحديث كل المرافق الداخلية ومساحات الضيافة
التمويل المعتمد من أعضاء النادي يبلغ نحو 1.45 إلى 1.5 مليار يورو. وبدأت أعمال البناء في 2023، وأُغلق الملعب أمام الجمهور في مايو 2023.
عند اكتماله، لن يكون كامب نو الأكبر في أوروبا فحسب، بل سيتقدم على أقرب منافسيه بفارق واسع. فالبرنابيو يقف حول 83 ألفًا، وويمبلي عند 90 ألفًا، وسيجنال إيدونا بارك عند 81,365. ورقم 105 آلاف يضعه في فئة منفردة.
لماذا يُعاد البناء والفريق يلعب؟
هنا تكمن صعوبة المشروع الحقيقية.
كان بإمكان برشلونة إغلاق الملعب سنوات حتى اكتمال العمل، واللعب مؤقتًا في ملعب آخر. وهذا ما فعله النادي جزئيًا. لكن كلفة الغياب عن الملعب باهظة: خسارة إيرادات أيام المباريات، وإيرادات الضيافة، وجانب من عوائد الرعاية المرتبطة بالحضور.
فاختار النادي العودة على مراحل. وكل مرحلة تتطلب رخصة إشغال مستقلة من بلدية برشلونة، تسمح بفتح جزء محدد من المدرجات بعد التأكد من استيفائه شروط السلامة وسبل الإخلاء.
هكذا صار التقدم في المشروع يُقاس بالتراخيص لا بالأشهر:
المرحلة 1A أتاحت 25,991 مقعدًا فقط، واعتبرها النادي غير مجدية ماليًا فلم يعد بها.
المرحلة 1B رفعت الرقم إلى 45,401، وبها عاد الفريق فعليًا في 22 نوفمبر 2025 بمباراة ضد أتلتيك كلوب انتهت 4-0.
المرحلة 1C أُقرّت في مارس 2026 ورفعت السعة إلى 62,652 بفتح المدرج الشمالي ومساحات ضيافة جديدة. وخصص النادي المقاعد الإضافية البالغة نحو 14 ألفًا لأعضائه من حاملي الاشتراكات الموسمية.
وفي مايو 2026، استضاف الملعب المُعاد بناؤه كلاسيكو أمام ريال مدريد، وهي محطة رمزية في مسار العودة.
التأخيرات: أين يقف المشروع الآن
الجدول الزمني تغيّر أكثر من مرة، وهذا متوقع في مشروع بهذا التعقيد، لكن حجم الانزلاق كبير.
كان الهدف المعلن سابقًا اكتمال العمل في 2026. أما الوضع الحالي فمختلف: الطبقة الثالثة من المدرجات، التي كان يُنتظر فتحها جزئيًا في خريف 2026، تأجلت مجددًا، وتشير مصادر قريبة من النادي إلى أن أقرب موعد واقعي صار مطلع 2027 أو بين فبراير وأبريل من ذلك العام.
وظهرت عقبة أكبر تتعلق بالسقف، وهو أحد آخر العناصر الرئيسية قبل الاكتمال. فتركيبه مقرر أن يبدأ في يونيو 2027 ويستغرق من أربعة إلى خمسة أشهر.
بعبارة أخرى: الملعب يعمل حاليًا بأقل من ثلثي سعته النهائية، ولن يكتمل قبل أواخر 2027 في أفضل السيناريوهات.
وقد أثارت تقارير مسألة إضافية تتعلق باحتياج المشروع إلى تمويل يفوق المقرر لإنهاء العمل، وهي مسألة تتكرر في مشاريع البنية التحتية الكبرى حين تمتد الجداول الزمنية.
ماذا يعني هذا للأجواء داخل الملعب
الأجواء في كامب نو كانت دائمًا ذات طابع خاص: ملعب واسع جدًا، بمدرجات متدرجة عالية، وجمهور يضم عشرات الآلاف من الأعضاء المالكين للنادي ــ فبرشلونة نادٍ يملكه أعضاؤه ويصوّتون على قراراته الكبرى، ومنها تمويل هذا المشروع نفسه.
هذا الاتساع كان سلاحًا ذا حدين. ففي الليالي الكبرى كان الصوت هائلًا، لكن في مباريات الدوري العادية كانت المساحات الشاسعة تبتلع الصوت، وهي ملاحظة قديمة على الملعب.
والوضع الحالي أنتج مفارقة مؤقتة: ملعب أصغر فعليًا، لكن نسبة الامتلاء فيه مرتفعة، ما يمنح الأجواء كثافة لم تكن معتادة. والسقف المخطط له سيغيّر المعادلة مجددًا حين يكتمل، لأنه سيحتجز الصوت داخل الوعاء.
سنوات المنفى: أين لعب برشلونة
خلال فترة الإغلاق الكامل، انتقل برشلونة مؤقتًا إلى الملعب الأولمبي في مونتجويك، الذي شهد أولمبياد برشلونة 1992 ويقع على تلة جنوب غرب المدينة.
وكانت التجربة كاشفة لقيمة الملعب الأصلي. فسعة الملعب الأولمبي أقل بكثير، وموقعه أبعد وأصعب وصولًا، وتصميمه ــ كأي ملعب أولمبي ــ يضع مضمار ألعاب قوى بين الجمهور وأرض الملعب، ما يباعد بين المدرجات واللعب ويضعف الأجواء.
هذه الفجوة بين الملعبين هي ما جعل النادي يتعجل العودة إلى كامب نو على مراحل رغم القيود، بدل انتظار الاكتمال.
ملعب صنع تاريخًا أوروبيًا
بعيدًا عن أعمال البناء، يحمل كامب نو سجلًا من أبرز السجلات في أوروبا. فقد استضاف نهائيات قارية كبرى، ومباريات في كأس العالم 1982، ومنافسات كرة القدم في أولمبياد 1992، إلى جانب عقود من الكلاسيكيات والليالي الأوروبية.
وما يميزه عن غيره من الملاعب الضخمة أنه لم يُبنَ بتمويل حكومي ولا برعاية مالك ثري، بل بقرارات أعضاء النادي أنفسهم عبر تصويتات متعاقبة، بدءًا من قرار البناء في الخمسينيات ووصولًا إلى إقرار تمويل مشروع التجديد الحالي.
وهذا النموذج ــ نادٍ يملكه أعضاؤه ــ يفسر جانبًا من بطء المشروع أيضًا: كل قرار كبير يمر عبر آليات حوكمة داخلية، وكل تجاوز في الميزانية يخضع لمساءلة الأعضاء.
ما الذي يجعل هذا المشروع الأصعب من نوعه
المقارنة مع البرنابيو مفيدة هنا. فريال مدريد أعاد بناء ملعبه أيضًا وهو يلعب فيه، لكن الفارق في ثلاثة عناصر:
الحجم. الفارق بين 83 ألفًا و105 آلاف ليس فارقًا في الرقم فقط، بل في حجم الهيكل ومتطلبات الإخلاء والسلامة.
عمق التدخل. مشروع كامب نو يشمل إعادة بناء المدرجات نفسها، لا تغليف الهيكل وإضافة سقف وأرضية متحركة.
نظام التراخيص المرحلية. ربط فتح كل جزء برخصة مستقلة يجعل الجدول الزمني رهينة عملية إدارية خارجة عن سيطرة النادي بالكامل.
ماذا يعني هذا لمن يريد الحضور
الوضع الحالي يفرض ثلاثة اعتبارات عملية على من يخطط لحضور مباراة:
التذاكر أصعب من المعتاد. سعة أقل بنحو 37 ألف مقعد عن الرقم النهائي تعني معروضًا محدودًا أمام طلب لم يتراجع، وقد خُصص جزء كبير من المقاعد المضافة في المرحلة الأخيرة لأعضاء النادي أصحاب الاشتراكات الموسمية.
خريطة المدرجات تتغير. الأقسام المتاحة تختلف من مرحلة إلى أخرى، فبعض المناطق التي كانت مفتوحة قد تُغلق مع تقدم العمل، والعكس صحيح. التحقق من مخطط المقاعد وقت الشراء ضروري لا احتياطي.
المحيط ما زال ورشة. المجمع كله قيد التطوير ضمن المشروع، وهو ما ينعكس على المداخل ومسارات الوصول.
أما الجولات السياحية والمتحف فوضعها مرتبط بمراحل العمل كذلك، ويختلف عن المعتاد قبل الإغلاق.
الخلاصة
كامب نو اليوم هو أكبر ملعب في أوروبا على الورق، وأقل من ذلك بكثير على أرض الواقع. وهذه الحالة المؤقتة ستستمر على الأرجح حتى نهاية 2027.
ما يستحق المتابعة ليس التصريحات عن مواعيد الافتتاح، بل رخص الإشغال التي تصدرها بلدية برشلونة، لأنها المؤشر الوحيد الذي لا يقبل التأويل: كل رخصة تعني آلاف المقاعد الإضافية، وغيابها يعني أن الجدول تأخر مرة أخرى.
0 تعليقات